عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

287

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

أمنان خبزا وخمسة أمنان لحما ودرهمين ، فوعده القاضي بذلك إلى وقت الظهر ، فجاءه فدافعه إلى العصر ؛ فلما جاءه وقت العصر لم يعطه شيئا ، فذهب الفقير منكسرا فمر بنصرانى جالس بباب داره ، فقال له بحق هذا اليوم وحرمته أعطني شيئا ، فقال النصراني وما هذا اليوم ؟ فذكر له الفقير شيئا من صفاته وحرمته ، فقال له النصراني : اذكر حاجتك فقد أقسمت بعظيم الحرمة . فذكر له الخبز واللحم والدرهمين ، فأعطاه من الخبز عشرة أقفزة حنطة ومن اللحم مئة من ، ومن الدراهم عشرين درهما ، وقال هذا لك ولعيالك ما دمت حيا في كل شهر كرامة لهذا اليوم ، فذهب الفقير إلى منزله ، فلما كان الليل ونام القاضي سمع هاتفا يقول له ارفع رأسك ، فرفع رأسه فرأى قصرا مبنيا بلبنة من ذهب ولبنة من فضة ، وقصرا آخر من ياقوتة حمراء يرى ظاهره من باطنه ، وباطنه من ظاهره ، فقال إلهي ما هذان القصران ؟ فقيل له هذان كانا لك ، لو قضيت حاجة الفقير ، فلما رددته صار لفلان النصراني ، قال فانتبه القاضي مرعوبا ينادى بالويل والثبور ، فغدا إلى النصراني ، فقال له ماذا فعلت البارحة من الخير ؟ فقال له وكيف ذلك ؟ فذكر له الرؤيا ، ثم قال له يعنى الجميل الذي عملته مع الفقير بمئة ألف ، فقال له النصراني إني لا أبيع ذلك بملء الأرض كلها ، وما أحسن المعاملة مع هذا الرب الكريم ، أشهد أن لا إله إلا اللّه ، وأشهد أن محمدا رسول اللّه ، وأن دينه هو الحق . وأنشدوا في معنى ذلك : لا يلحقنك ضجرة من سائل * فدوام عزك أن ترى مسؤولا لا تصرفن بالرد وجه مؤمل * فلخير يومك أن ترى مأمولا واعلن بأنك عن قليل صائر * خبرا فكن خبرا يروق جميلا تلقى الكريم فتستدل ببشره * وترى العبوس على اللئيم دليلا وأنشدوا أيضا : يا طالب العفو هذا يوم عاشورا * يوم غدا فضله في الناس مشهورا ما إن دعا ربه داع لحاجته * إلا وعاد بما يهواه مسرورا ولا أتى اللّه فيه مذنب خجل * إلا وأصبح ذاك الذنب مغفورا